معلوماتنا تفيد أنكِ غير منضمه لأسرتنا المتواضعه

سجلي معنا ولن تندمي أبداً بإذن الله



 
الرئيسيةس .و .جبحـثدخولالتسجيل

شاطر | 
 

 الميزان في تفسير القرآن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جوهرة الاسلام
عضو موقوف


بلد الإقامه : الجزائر
علم بلادي : عدد المساهمات : 191
نقاط : 267
التقييم : 4
تاريخ التسجيل : 30/12/2010
العمر : 22
العمل/الترفيه : طالبة

مُساهمةموضوع: الميزان في تفسير القرآن   الخميس يوليو 21, 2011 8:24 pm

يسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا و الصلاة على من جعله شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا و على آله الذين أذهب عنهم الرجس أهل البيت و طهرهم تطهيرا.

مقدمة: نعرف فيها مسلك البحث عن معاني آيات القرآن الكريم في هذا الكتاب بطريق الاختصار.

التفسير و هو بيان معاني الآيات القرآنية و الكشف عن مقاصدها و مداليلها من أقدم الاشتغالات العلمية التي تعهد من المسلمين، فقد شرع تاريخ هذا النوع من البحث و التنقير المسمى بالتفسير من عصر نزول القرآن كما يظهر من قوله تعالى و تقدس: «كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا و يزكيكم و يعلمكم الكتاب و الحكمة» الآية: البقرة - 151.

و قد كانت الطبقة الأولى من مفسري المسلمين جماعة من الصحابة و المراد بهم غير علي (عليه السلام)، فإن له و للأئمة من ولده نبأ آخر سنتعرض له كابن عباس و عبد الله بن عمر و أبي و غيرهم اعتنوا بهذا الشأن، و كان البحث يومئذ لا يتجاوز عن بيان ما يرتبط، من الآيات بجهاتها الأدبية و شأن النزول و قليل من الاستدلال بآية على آية و كذلك قليل من التفسير بالروايات المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في القصص و معارف المبدأ و المعاد و غيرها.

و على هذا الوصف جرى الحال بين المفسرين من التابعين كمجاهد و قتادة و ابن أبي ليلى و الشعبي و السدي و غيرهم في القرنين الأولين من الهجرة، فإنهم لم يزيدوا على طريقة سلفهم من مفسري الصحابة شيئا غير أنهم زادوا من التفسير بالروايات، و بينها روايات دسها اليهود أو غيرهم، فأوردوها في القصص و المعارف الراجعة إلى الخلقة كابتداء السماوات و تكوين الأرض و البحار و إرم شداد و عثرات الأنبياء و تحريف الكتاب و أشياء أخر من هذا النوع، و قد كان يوجد بعض ذلك في المأثور عن الصحابة من التفسير و البحث.

ثم استوجب شيوع البحث الكلامي بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في زمن الخلفاء باختلاط المسلمين بالفرق المختلفة من أمم البلاد المفتوحة بيد المسلمين و علماء الأديان و المذاهب المتفرقة من جهة.

و نقل فلسفة يونان إلى العربية في السلطنة الأموية أواخر القرن الأول من الهجرة، ثم في عهد العباسيين، و انتشار البحث العقلي الفلسفي بين الباحثين من المسلمين من جهة أخرى ثانية.

و ظهور التصوف مقارنا لانتشار البحث الفلسفي و تمايل الناس إلى نيل المعارف الدينية من طريق المجاهدة و الرياضة النفسانية دون البحث اللفظي و العقلي من جهة أخرى ثالثة.

و بقاء جمع من الناس و هم أهل الحديث على التعبد المحض بالظواهر الدينية من غير بحث إلا عن اللفظ بجهاتها الأدبية من جهة أخرى رابعة.

أن اختلف الباحثون في التفسير في مسالكهم بعد ما عمل فيهم الانشعاب في المذاهب ما عمل، و لم يبق بينهم جامع في الرأي و النظر إلا لفظ لا إله إلا الله و محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و اختلفوا في معنى الأسماء و الصفات و الأفعال و السماوات و ما فيها و الأرض و ما عليها و القضاء و القدر و الجبر و التفويض و الثواب و العقاب و في الموت و في البرزخ و البعث و الجنة و النار، و بالجملة في جميع ما تمسه الحقائق و المعارف الدينية و لو بعض المس، فتفرقوا في طريق البحث عن معاني الآيات، و كل يتحفظ على متن ما اتخذه من المذهب و الطريقة.

فأما المحدثون، فاقتصروا على التفسير بالرواية عن السلف من الصحابة و التابعين فساروا و جدوا في السير حيث ما يسير بهم المأثور و وقفوا فيما لم يؤثر فيه شيء و لم يظهر المعنى ظهورا لا يحتاج إلى البحث أخذا بقوله تعالى: «و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا» الآية: آل عمران - 7 و قد أخطئوا في ذلك فإن الله سبحانه لم يبطل حجة العقل في كتابه، و كيف يعقل ذلك و حجيته إنما تثبت به! و لم يجعل حجية في أقوال الصحابة و التابعين و أنظارهم على اختلافها الفاحش، و لم يدع إلى السفسطة بتسليم المتناقضات و المتنافيات من الأقوال، و لم يندب إلا إلى التدبر في آياته، فرفع به أي اختلاف يتراءى منها، و جعله هدى و نورا و تبيانا لكل شيء، فما بال النور يستنير بنور غيره! و ما شأن الهدى يهتدي بهداية سواه! و كيف يتبين ما هو تبيان كل شيء بشيء دون نفسه!.

و أما المتكلمون فقد دعاهم الأقوال المذهبية على اختلافها أن يسيروا في التفسير على ما يوافق مذاهبهم بأخذ ما وافق و تأويل ما خالف على حسب ما يجوزه قول المذهب.

و اختيار المذاهب الخاصة و اتخاذ المسالك و الآراء المخصوصة و إن كان معلولا لاختلاف الأنظار العلمية أو لشيء آخر كالتقاليد و العصبيات القومية، و ليس هاهنا محل الاشتغال بذلك، إلا أن هذا الطريق من البحث أحرى به أن يسمى تطبيقا لا تفسيرا.

ففرق بين أن يقول الباحث عن معنى آية من الآيات: ما ذا يقول القرآن؟ أو يقول: ما ذا يجب أن نحمل عليه الآية؟ فإن القول الأول يوجب أن ينسى كل أمر نظري عند البحث، و أن يتكي على ما ليس بنظري، و الثاني يوجب وضع النظريات في المسألة و تسليمها و بناء البحث عليها، و من المعلوم أن هذا النحو من البحث في الكلام ليس بحثا عن معناه في نفسه.

و أما الفلاسفة، فقد عرض لهم ما عرض للمتكلمين من المفسرين من الوقوع في ورطة التطبيق و تأويل الآيات المخالفة بظاهرها للمسلمات في فنون الفلسفة بالمعنى الأعم أعني: الرياضيات و الطبيعيات و الإلهيات و الحكمة العملية، و خاصة المشائين، و قد تأولوا الآيات الواردة في حقائق ما وراء الطبيعة و آيات الخلقة و حدوث السماوات و الأرض و آيات البرزخ و آيات المعاد، حتى أنهم ارتكبوا التأويل في الآيات التي لا تلائم الفرضيات و الأصول الموضوعة التي نجدها في العلم الطبيعي: من نظام الأفلاك الكلية و الجزئية و ترتيب العناصر و الأحكام الفلكية و العنصرية إلى غير ذلك، مع أنهم نصوا على أن هذه الأنظار مبتنية على أصول موضوعة لا بينة و لا مبينة.

و أما المتصوفة، فإنهم لاشتغالهم بالسير في باطن الخلقة و اعتنائهم بشأن الآيات الأنفسية دون عالم الظاهر و آياته الآفاقية اقتصروا في بحثهم على التأويل، و رفضوا التنزيل، فاستلزم ذلك اجتراء الناس على التأويل، و تلفيق جمل شعرية و الاستدلال من كل شيء على كل شيء، حتى آل الأمر إلى تفسير الآيات بحساب الجمل و رد الكلمات إلى الزبر و البينات و الحروف النورانية و الظلمانية إلى غير ذلك.

و من الواضح أن القرآن لم ينزل هدى للمتصوفة خاصة، و لا أن المخاطبين به هم أصحاب علم الأعداد و الأوفاق و الحروف، و لا أن معارفه مبنية على أساس حساب الجمل الذي وضعه أهل التنجيم بعد نقل النجوم من اليونانية و غيرها إلى العربية.

نعم قد وردت روايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كقولهم: إن للقرآن ظهرا و بطنا و لبطنه بطنا إلى سبعة أبطن أو إلى سبعين بطنا الحديث.

لكنهم (عليهم السلام) اعتبروا الظهر كما اعتبروا البطن، و اعتنوا بأمر التنزيل كما اعتنوا بشأن التأويل، و سنبين في أوائل سورة آل عمران إن شاء الله: أن التأويل الذي يراد به المعنى المقصود الذي يخالف ظاهر الكلام من اللغات المستحدثة في لسان المسلمين بعد نزول القرآن و انتشار الإسلام، و أن الذي يريده القرآن من لفظ التأويل فيما ورد فيه من الآيات ليس من قبيل المعنى و المفهوم.

و قد نشأ في هذه الأعصار مسلك جديد في التفسير و ذلك أن قوما من منتحلي الإسلام في إثر توغلهم في العلوم الطبيعية و ما يشابهها المبتنية على الحس و التجربة، و الاجتماعية المبتنية على تجربة الإحصاء، مالوا إلى مذهب الحسيين من فلاسفة الأروبة سابقا، أو إلى مذهب أصالة العمل لا قيمة للإدراكات إلا ترتب العمل عليها بمقدار يعينه الحاجة الحيوية بحكم الجبر.

فذكروا: أن المعارف الدينية لا يمكن أن تخالف الطريق الذي تصدقه العلوم و هو أن: لا أصالة في الوجود إلا للمادة و خواصها المحسوسة فما كان الدين يخبر عن وجوده مما يكذب العلوم ظاهره كالعرش و الكرسي و اللوح و القلم يجب أن يؤول تأويلا.

و ما يخبر عن وجوده مما لا تتعرض العلوم لذلك كحقائق المعاد يجب أن يوجه بالقوانين المادية.

و ما يتكي عليه التشريع من الوحي و الملك و الشيطان و النبوة و الرسالة و الإمامة و غير ذلك، إنما هي أمور روحية، و الروح مادية و نوع من الخواص المادية، و التشريع نبوغ خاص اجتماعي يبنى قوانينه على الأفكار الصالحة، لغاية إيجاد الاجتماع الصالح الراقي.

ذكروا: أن الروايات، لوجود الخليط فيها لا تصلح للاعتماد عليها، إلا ما وافق الكتاب، و أما الكتاب فلا يجوز أن يبنى في تفسيره على الآراء و المذاهب السابقة المبتنية على الاستدلال من طريق العقل الذي أبطله العلم بالبناء على الحسن و التجربة، بل الواجب أن يستقل بما يعطيه القرآن من التفسير إلا ما بينه العلم.

هذه جمل ما ذكروه أو يستلزمه ما ذكروه، من اتباع طريق الحس و التجربة، فساقهم ذلك إلى هذا الطريق من التفسير، و لا كلام لنا هاهنا في أصولهم العلمية و الفلسفية التي اتخذوها أصولا و بنوا عليها ما بنوا.

و إنما الكلام في أن ما أوردوه على مسالك السلف من المفسرين أن ذلك تطبيق و ليس بتفسير وارد بعينه على طريقتهم في التفسير، و إن صرحوا أنه حق التفسير الذي يفسر به القرآن بالقرآن.

و لو كانوا لم يحملوا على القرآن في تحصيل معاني آياته شيئا، فما بالهم يأخذون الأنظار العلمية مسلمة لا يجوز التعدي عنها؟ فهم لم يزيدوا على ما أفسده السلف إصلاحا.

و أنت بالتأمل في جميع هذه المسالك المنقولة في التفسير تجد: أن الجميع مشتركة في نقص و بئس النقص، و هو تحميل ما أنتجه الأبحاث العلمية أو الفلسفية من خارج على مداليل الآيات، فتبدل به التفسير تطبيقا و سمي به التطبيق تفسيرا، و صارت بذلك حقائق من القرآن مجازات، و تنزيل عدة من الآيات تأويلات.

و لازم ذلك كما أومأنا إليه في أوائل الكلام أن يكون القرآن الذي يعرف نفسه بأنه هدى للعالمين و نور مبين و تبيان لكل شيء مهديا إليه بغيره و مستنيرا بغيره و مبينا بغيره، فما هذا الغير! و ما شأنه! و بما ذا يهدي إليه! و ما هو المرجع و الملجأ إذا اختلف فيه! و قد اختلف و اشتد الخلاف.

و كيف كان فهذا الاختلاف لم يولده اختلاف النظر في مفهوم مفهوم اللفظ المفرد أو الجملة بحسب اللغة و العرف العربي الكلمات أو الآيات، فإنما هو كلام عربي مبين لا يتوقف في فهمه عربي و لا غيره ممن هو عارف باللغة و أساليب الكلام العربي.

و ليس بين آيات القرآن و هي بضع آلاف آية آية واحدة ذات إغلاق و تعقيد في مفهومها بحيث يتحير الذهن في فهم معناها، و كيف! و هو أفصح الكلام و من شرط الفصاحة خلو الكلام عن الإغلاق و التعقيد، حتى أن الآيات المعدودة من متشابه القرآن كالآيات المنسوخة و غيرها، في غاية الوضوح من جهة المفهوم، و إنما التشابه في المراد منها و هو ظاهر.

و إنما الاختلاف كل الاختلاف في المصداق الذي ينطبق عليه المفاهيم اللفظية من مفردها و مركبها، و في المدلول التصوري و التصديقي.

توضيحه: أن الأنس و العادة كما قيل يوجبان لنا أن يسبق إلى أذهاننا عند استماع الألفاظ معانيها المادية أو ما يتعلق بالمادة فإن المادة هي التي يتقلب فيها أبداننا و قوانا المتعلقة بها ما دمنا في الحياة الدنيوية، فإذا سمعنا ألفاظ الحياة و العلم و القدرة و السمع و البصر و الكلام و الإرادة و الرضا و الغضب و الخلق و الأمر كان السابق إلى أذهاننا منها الوجودات المادية لمفاهيمها.

و كذا إذا سمعنا ألفاظ السماء و الأرض و اللوح و القلم و العرش و الكرسي و الملك و أجنحته و الشيطان و قبيله و خيله و رجله إلى غير ذلك، كان المتبادر إلى أفهامنا مصاديقها الطبيعية.

و إذا سمعنا: أن الله خلق العالم و فعل كذا و علم كذا و أراد أو يريد أو شاء و أو يشاء كذا قيدنا الفعل بالزمان حملا على المعهود عندنا.

و إذا سمعنا نحو قوله: «و لدينا مزيد» الآية و قوله: «لاتخذناه من لدنا» الآية و قوله: «و ما عند الله خير» الآية.

و قوله: «إليه ترجعون» الآية.

قيدنا معنى الحضور بالمكان.

و إذا سمعنا نحو قوله: «إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها» الآية أو قوله: «و نريد أن نمن».

الآية أو قوله: «يريد الله بكم اليسر» الآية فهمنا: أن الجميع سنخ واحد من الإرادة، لما أن الأمر على ذلك فيما عندنا، و على هذا القياس.

و هذا شأننا في جميع الألفاظ المستعملة، و من حقنا ذلك، فإن الذي أوجب علينا وضع ألفاظ إنما هي الحاجة الاجتماعية إلى التفهيم و التفهم، و الاجتماع إنما تعلق به الإنسان ليستكمل به في الأفعال المتعلقة بالمادة و لواحقها، فوضعنا الألفاظ علائم لمسمياتها التي نريد منها غايات و أغراضا عائدة إلينا.

و كان ينبغي لنا أن نتنبه: أن المسميات المادية محكومة بالتغير و التبدل بحسب تبدل الحوائج في طريق التحول و التكامل كما أن السراج أول ما عمله الإنسان كان إناء فيه فتيلة و شيء من الدهن تشتعل به الفتيلة للاستضاءة به في الظلمة، ثم لم يزل يتكامل حتى بلغ اليوم إلى السراج الكهربائي و لم يبق من أجزاء السراج المعمول أولا الموضوع بإزائه لفظ السراج شيء و لا واحد.

و كذا الميزان المعمول أولا، و الميزان المعمول اليوم لتوزين ثقل الحرارة مثلا.

و السلاح المتخذ سلاحا أول يوم، و السلاح المعمول اليوم إلى غير ذلك.

فالمسميات بلغت في التغير إلى حيث فقدت جميع أجزائها السابقة ذاتا و صفة و الاسم مع ذلك باق، و ليس إلا لأن المراد في التسمية إنما هو من الشيء غايته، لا شكله و صورته، فما دام غرض التوزين أو الاستضاءة أو الدفاع باقيا كان اسم الميزان و السراج و السلاح و غيرها باقيا على حاله.

فكان ينبغي لنا أن نتنبه أن المدار في صدق الاسم اشتمال المصداق على الغاية و الغرض، لا جمود اللفظ على صورة واحدة، فذلك مما لا مطمع فيه البتة، و لكن العادة و الأنس منعانا ذلك، و هذا هو الذي دعى المقلدة من أصحاب الحديث من الحشوية و المجسمة أن يجمدوا على ظواهر الآيات في التفسير و ليس في الحقيقة جمودا على الظواهر بل هو جمود على العادة و الأنس في تشخيص المصاديق.

لكن بين هذه الظواهر أنفسها أمور تبين: أن الاتكاء و الاعتماد على الأنس و العادة في فهم معاني الآيات يشوش المقاصد منها و يختل به أمر الفهم كقوله تعالى: «ليس كمثله شيء» الآية.

و قوله: «لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار و هو اللطيف الخبير».

و قوله: «سبحان الله عما يصفون».

و هذا هو الذي دعى الناس أن لا يقتصروا على الفهم العادي و المصداق المأنوس به الذهن في فهم معاني الآيات كما كان غرض الاجتناب عن الخطاء و الحصول على النتائج المجهولة هو الذي دعى الإنسان إلى أن يتمسك بذيل البحث العلمي، و أجاز ذلك للبحث أن يداخل في فهم حقائق القرآن و تشخيص مقاصده العالية، و ذلك على أحد وجهين، أحدهما: أن نبحث بحثا علميا أو فلسفيا أو غير ذلك عن مسألة من المسائل التي تتعرض له الآية حتى نقف على الحق في المسألة، ثم نأتي بالآية و نحملها عليه، و هذه طريقة يرتضيها البحث النظري، غير أن القرآن لا يرتضيها كما عرفت، و ثانيهما: أن نفسر القرآن بالقرآن و نستوضح معنى الآية من نظيرتها بالتدبر المندوب إليه في نفس القرآن، و نشخص المصاديق و نتعرفها بالخواص التي تعطيها الآيات، كما قال تعالى: «و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء» الآية.

و حاشا أن يكون القرآن تبيانا لكل شيء و لا يكون تبيانا لنفسه، و قال تعالى: «هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان».

الآية و قال تعالى «: و أنزلنا إليكم نورا مبينا» الآية.

و كيف يكون القرآن هدى و بينة و فرقانا و نورا مبينا للناس في جميع ما يحتاجون و لا يكفيهم في احتياجهم إليه و هو أشد الاحتياج! و قال تعالى: «و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا» الآية و أي جهاد أعظم من بذل الجهد في فهم كتابه! و أي سبيل أهدى إليه من القرآن!.

و الآيات في هذا المعنى كثيرة سنستفرغ الوسع فيها في بحث المحكم و المتشابة في أوائل سورة آل عمران.

ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي علمه القرآن و جعله معلما لكتابه كما يقول تعالى: «نزل به الروح الأمين على قلبك» الآية.

و يقول: «و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم» الآية.

و يقول: «يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة» الآية.

و عترته و أهل بيته الذين أقامهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا المقام في الحديث المتفق عليه بين الفريقين: " إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله و عترتي أهل بيتي و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ".

و صدقه الله تعالى في علمهم بالقرآن، حيث قال عز من قائل: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا و قال إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون» الآية و قد كانت طريقتهم في التعليم و التفسير هذه الطريقة بعينها على ما وصل إلينا من أخبارهم في التفسير.

و سنورد ما تيسر لنا مما نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و أئمة أهل بيته في ضمن أبحاث روائية في هذا الكتاب، و لا يعثر المتتبع الباحث فيها على مورد واحد يستعان فيه على تفسير الآية بحجة نظرية عقلية، و لا فرضية علمية.

و قد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع و ماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، و من جعله خلفه ساقه إلى النار، و هو الدليل يدل على خير سبيل، و هو كتاب تفصيل و بيان و تحصيل و هو الفصل ليس بالهزل، و له ظهر و بطن، فظاهره حكمة و باطنه علم، ظاهره أنيق و باطنه عميق، له نجوم و على نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه و لا تبلى غرائبه فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة، و دليل على المعروف لمن عرف النصفة، فليرع رجل بصره، و ليبلغ الصفة نظره ينجو من عطب و يخلص من نشب، فإن التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، يحسن التخلص و يقل التربص ".

و قال علي (عليه السلام): يصف القرآن على ما في النهج " ينطق بعضه ببعض و يشهد بعضه على بعض الخطبة ".

هذا هو الطريق المستقيم و الصراط السوي الذي سلكه معلموا القرآن و هداته صلوات الله عليهم.

و سنضع ما تيسر لنا بعون الله سبحانه من الكلام على هذه الطريقة في البحث عن الآيات الشريفة في ضمن بيانات، قد اجتنبنا فيها عن أن نركن إلى حجة نظرية فلسفية أو إلى فرضية علمية، أو إلى مكاشفة عرفانية.

و احترزنا فيها عن أن نضع الأنكتة أدبية يحتاج إليها فهم الأسلوب العربي أو مقدمة بديهية أو عملية لا يختلف فيها الأفهام.

و قد تحصل من هذه البيانات الموضوعة على هذه الطريقة من البحث استفراغ الكلام فيما نذكره.

1 المعارف المتعلقة بأسماء الله سبحانه و صفاته من الحياة و العلم و القدرة و السمع و البصر و الوحدة و غيرها، و أما الذات فستطلع أن القرآن يراه غنيا عن البيان.

2 المعارف المتعلقة بأفعاله تعالى من الخلق و الأمر و الإرادة و المشية و الهداية و الإضلال و القضاء و القدر و الجبر و التفويض و الرضا و السخط، إلى غير ذلك من متفرقات الأفعال.

3 المعارف المتعلقة بالوسائط الواقعة بينه و بين الإنسان كالحجب و اللوح و القلم و العرش و الكرسي و البيت المعمور و السماء و الأرض و الملائكة و الشياطين و الجن و غير ذلك.

4 المعارف المتعلقة بالإنسان قبل الدنيا.

5 المعارف المتعلقة بالإنسان في الدنيا كمعرفة تاريخ نوعه و معرفة نفسه و معرفة أصول اجتماعه و معرفة النبوة و الرسالة و الوحي و الإلهام و الكتاب و الدين و الشريعة، و من هذا الباب مقامات الأنبياء المستفادة من قصصهم المحكية.

6 المعارف المتعلقة بالإنسان بعد الدنيا، و هو البرزخ و المعاد.

7 المعارف المتعلقة بالأخلاق الإنسانية، و من هذا الباب ما يتعلق بمقامات الأولياء في صراط العبودية من الإسلام و الإيمان و الإحسان و الإخبات و الإخلاص و غير ذلك.

و أما آيات الأحكام، فقد اجتنبنا تفصيل البيان فيها لرجوع ذلك إلى الفقه.

و قد أفاد هذه الطريقة من البحث ارتفاع التأويل بمعنى الحمل على المعنى المخالف للظاهر من بين الآيات، و أما التأويل بالمعنى الذي يثبته القرآن في مواضع من الآيات، فسترى أنه ليس من قبيل المعاني.

ثم وضعنا في ذيل البيانات متفرقات من أبحاث روائية نورد ما تيسر لنا إيراده من الروايات المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و أئمة أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين من طرق العامة و الخاصة، و أما الروايات الواردة عن مفسري الصحابة و التابعين.

فإنها على ما فيها من الخط و التناقض لا حجة فيها على مسلم.

و سيطلع الباحث المتدبر في الروايات المنقولة عنهم (عليهم السلام)، أن هذه الطريقة الحديثة التي بنيت عليها بيانات هذا الكتاب، أقدم الطرق المأثورة في التفسير التي سلكها معلموه سلام الله عليهم.

ثم وضعنا أبحاثا مختلفة، فلسفية و علمية و تاريخية و اجتماعية و أخلاقية، حسب ما تيسر لنا من البحث، و قد آثرنا في كل بحث قصر الكلام على المقدمات المسانخة له، من غير تعد عن طور البحث.

نسأل الله تعالى السداد و الرشاد فإنه خير معين و هاد الفقير إلى الله: محمد حسين الطباطبائي










عدل سابقا من قبل ام مي في السبت يوليو 23, 2011 5:58 am عدل 1 مرات (السبب : تكبير الخط وتنصيف الموضوع)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ام نبيل
نجمة المنتدى
نجمة المنتدى


بلد الإقامه : مصر
علم بلادي : عدد المساهمات : 14863
نقاط : 21669
التقييم : 186
تاريخ التسجيل : 13/06/2010
العمر : 61
العمل/الترفيه : ربه منزل
المزاج : الحمدلله
جنسيتكِ : مصريه

مُساهمةموضوع: رد: الميزان في تفسير القرآن   الخميس يوليو 21, 2011 9:35 pm



ابنتى جوهرة الاسلام


موضوعك جميل
اثابك الله بالفردوس الاعلى

بوركتى بحفظ الرحمن
فى امان الله









cc=الرحــيـل]
حين يحين الرحيل....
فلن أكون إلا تحت التراب*
فعفوا واصفحوا عن زلّل..
من أختكم وامكم الفقيره إلى الله
ام نبيل



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ام مي
عضوه vib
عضوه vib


بلد الإقامه : المملكة العربية السعودية
علم بلادي : عدد المساهمات : 9427
نقاط : 10857
التقييم : 55
تاريخ التسجيل : 24/01/2011
العمر : 35
المزاج : الحمد لله معتدل

مُساهمةموضوع: رد: الميزان في تفسير القرآن   السبت يوليو 23, 2011 5:55 am

ما شاء الله طرح رائع يالغالية

جزاكي الله خيرا

موضوع رائع بروعه قلمك

قلمك رائع حافظي علية

ننتظر من ابداعك المزيد

دمتي برضا الرحيم








[center]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ام علي
نائبة المديره
نائبة المديره


بلد الإقامه : مصر
علم بلادي : عدد المساهمات : 7341
نقاط : 9788
التقييم : 140
تاريخ التسجيل : 24/05/2011
العمر : 34
المزاج : الحمد لله

مُساهمةموضوع: رد: الميزان في تفسير القرآن   الأحد يوليو 24, 2011 12:28 pm

موضوع رائع جوهرة الاسلام

سلمت يداكي


اللهم اجعل القران الكريم ربيع قلوبنا ونور صدورنا




ارجو نقله للقسم المناسب

بارك الله فيكم









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ام نبيل
نجمة المنتدى
نجمة المنتدى


بلد الإقامه : مصر
علم بلادي : عدد المساهمات : 14863
نقاط : 21669
التقييم : 186
تاريخ التسجيل : 13/06/2010
العمر : 61
العمل/الترفيه : ربه منزل
المزاج : الحمدلله
جنسيتكِ : مصريه

مُساهمةموضوع: رد: الميزان في تفسير القرآن   الأحد يوليو 24, 2011 12:39 pm
























cc=الرحــيـل]
حين يحين الرحيل....
فلن أكون إلا تحت التراب*
فعفوا واصفحوا عن زلّل..
من أختكم وامكم الفقيره إلى الله
ام نبيل



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الميزان في تفسير القرآن
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: **المنتديـات الدينيــه** :: إسلامي عام-
انتقل الى:  
Place holder for NS4 only